صحة الطفل النفسية | بين الظاهر والمكنون

تمهيد:
في اليوم العالمي للصحة النفسية، لا أود أن أكرر الشعارات الرائجة.
بل أود أن أتحدث عن الأصل، عن البذرة الأولى في حياة الإنسان: الطفولة.
هذه المرحلة التي لم تنل الاعتبار الكافي رغم كل الجهود المبذولة من المختصين والمعلمين والمربين، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى المزيد من الاهتمام، لأن اليد الواحدة لا تصفق.
ومن هنا، أرغب في الحديث عن أثر وجود هذا الاهتمام أو غيابه، وأن نعود قليلًا إلى طفولتنا لنتمكن من فهم أنفسنا وفهم اللحظات الصغيرة التي شكلت نظرتنا لذواتنا والعالم من حولنا.
طفولتنا ونحن:
في هذا اليوم تحديدًا اخترت أن أكتب عن الطفل، لأنني أعلم أن كثيرًا مما نحمله نحن البالغين من قلق وارتباك ومشاعر متقلبة تتراوح بين الحيرة واللوم، غالبًا تبدأ من لحظات صغيرة في الطفولة لم نفهمها.
نعم، قد تبدو مجرد لحظات عابرة في وقتها ولكنها تركت أثرًا ممتدًا فينا، وربما بدأت من دوامة أسئلة ظلت بداخلنا بلا إجابة.
وبالنسبة لي، أوقن بأن الصحة النفسية رحلة تبدأ منذ الطفولة، حين يجد الطفل من يفسر له العالم من حوله، قبل أن يغرق في محاولاته للتفسير وحده فيتألم.
بين الظاهر والمكنون:
الطفل لا يحتاج إلى المزيد من الألعاب أو المرح المؤقت، بل يحتاج إلى من يفهمه عندما يصبح عليه الكلام ثقيلًا، وإلى من يستطيع الوصول إلى أعماقه حينما يعجز عن الحديث والتعبير. صحيح قد يبدو بخير وهو يلهو ويضحك، لكن خلف تلك الضحكات تختبئ تساؤلات لا يمتلك الشجاعة لطرحها.
وبالرغم من أنه يعيش طفولة مستقرة في ظاهرها، إلا أن هناك أجزاء تأثرت في داخله دون أن تُرى أو يدركها حتى. خصوصًا عندما تعترض طفولته مواقف كبيرة، مثل: الانفصال، أو التغيرات في نمط البيئة الأسرية.
وللأسف رغم كل الجهود المبذولة في الاحتواء والرعاية إلا أنه يبقى أثر شرخ صغير لا يزول، وهذا يكون ببساطة نتيجة لأن بعض المشاعر بقت حبيسة في داخله، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى خوف وحذر وفقد.
الاحتياجات الخفية:
ما يحتاجه الطفل في تلك اللحظات هو تواصل صادق وآمن، يوضح له سبب ما يحدث من حوله حتى وإن لم يبادر في السؤال عنه، ويحتاج إلى من يستكشف عالمه الذي يخبئ فيه كل أفكاره ومشاعره وتساؤلاته.
ومع كل حوار يُفتح مع الطفل، ومع كل سؤال يُجاب عليه بوعي واحتواء، هناك قلب صغير تبتسم له الحياة من جديد بلا أن نعلم نحن البالغين.
ختامًا:
الصحة النفسية لا تبنى بالخطابات الجاهزة وحدها، بل تبدأ قبل كل شيء من البيت ومن خلال وجود قدوة حقيقية يكتسب الطفل منها المهارات اللازمة.
وكلما تمكن الطفل من التعبير عن مشاعره، بالإضافة إلى تطوير قدرته على الحوار، كلما انعكس ذلك على صحته النفسية ونظرته لذاته وعلاقته بالآخرين.
وفي النهاية، أتساءل:
– هل نصغي حقًا لما يحاول الطفل قوله، أم لما نريد سماعه منه؟
– هل نفهم الأطفال من حولنا، كما كنا نتمنى أن يفهمنا الكبار في طفولتنا؟
– وأخيرًا، عندما نعود إلى طفولتنا قليلًا يا ترى ما الذي كان يحتاجه ذلك الطفل الصغير في داخلنا ولم يجده؟

أضف تعليق