وجد الصويان | مواجدة

أكتب، لأن حديثًا واحدًا لا يكفيني.

الرحمة والمواجدة | من العيادة إلى الحياة

من التأمل إلى معنى الوجود:

أجد في تأملاتي المعنى لوجودي، لهويتي، لأفكاري وتجاربي، بل وحتى قيمي. وهي كنافذة أطل منها على عوالم أوسع وأعمق تتجاوز عوالمي الحالية، وتقودني إلى نتائج ثمينة لم أكن لأصل إليها بدونها.

ومن بين هذه التأملات، أدركت أن أكثر ما نحتاجه في حياتنا، من العمل إلى علاقاتنا مع ذواتنا والآخرين، هو حضور قيمتين تشكلان جوهر ممارساتنا الإنسانية: (الرحمة والمواجدة).

من العيادة إلى الحياة:

أن عملنا ودورنا الإنساني في العيادة النفسية أمانة كبيرة على عاتقنا، ونترك من خلاله أثرًا يتجاوز حدود العيادة ويمتد إلى الطفل وعائلته، المدرسة، والبيئات الخارجية المحيطة. وهذا الأثر لا يتحقق إلا إذا كان عملنا قائمًا على قيم راسخة تمنحه جوهره الحقيقي.

القيم ومعناها:

– الرحمة: تتمثل من خلال الحضور بكل إنسانية، الاصغاء والرغبة الصادقة في المساعدة، مع تقديم الأمان والقبول.

– المواجدة: تتمثل بالمشاركة الوجدانية العميقة، مثل أن تضع نفسك في مكان الطرف الآخر، وتشعر بمشاعره وتتفهم احتياجاته وألمه بلا أي تقليل ومقارنة، أو إصدار أحكام.

الوالدان في العيادة النفسية:

عندما يأتي الوالدين مع طفلهم إلى العيادة، فإنهم غالبًا يعانون من مشاعر اللوم والانتقادات التي تتوجه لهم، ويظهرون بضعفهم والآمهم وبمخاوفهم. فهم يأتون طلبًا للمساعدة والوصول إلى حل، لا لتعقيد المشكلة أكثر. وفي مثل هذه الحالة لا يحتاجون إلى عبء إضافي يثقل كاهلهم، بل يحتاجون إلى من يخفف عنهم.

صحيح أن معظم المشاكل النفسية والسلوكية لدى الأبناء قد تكون نتاجًا للبيئة الأسرية، ولكن ما فائدة توجيه اللوم هنا؟ هل يغير الوضع الراهن، أم يزيده سوءًا؟

بالنسبة لي، أوقن أن دورنا يتمثل في التوعية والمساعدة على معالجة الموضوع، لا بتعقيده أكثر. وهذا الدور لا يقتصر علينا نحن فقط كمختصين، بل يشمل المجتمع بأكمله. فمن السهل أن نضع أحكامًا ونحن لم نشعر بمعاناتهم ولم نمر بتجاربهم، ومن السهل أيضًا أن ننتقد طرقهم في التربية والتعامل! ولكن السؤال الأهم: هل حاولنا أن نتوقف قليلًا ونستوعب؟ هل حاولنا أن نتساءل عن الأمور الخفية والتحديات التي يمر بها الوالدين؟

تحديات الوالدين في التربية:

في كثير من الأحيان قد لا يتعامل الوالدان بطرق صحية مع أبنائهم، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، من ضمنها:

– نقص الخبرة: عندما تكون هذه التجربة الأولى لهم في التربية، فمن الطبيعي أن تظهر بعض المشاكل وتكثر لديهم المخاوف والأخطاء، كما يشعرون بالارتباك من أبسط المواقف اليومية التي يمرون بها مع طفلهم.

– المعاناة من القلق والخوف: يلجأ بعض الوالدين إلى فرض الحماية الزائدة على طفلهم، بقصد تخفيف شعورهم المستمر بالخوف والقلق عليه، ويمكن أن يحقق هذا السلوك نتائج مريحة لهم على المدى القريب. ولكنهم ربما يغفلون عن الآثار السلبية التي قد تحدث للطفل على المدى البعيد.

– التجارب السابقة المؤلمة: أحيانًا تكون هناك ظروف صعبة مثل: الإهمال العاطفي، الفقد، العنف. هذه التجارب قد تدفع الوالدين بشكل -واعٍ أو غير واعٍ- إلى تكرار نفس النمط التي تعرضوا له، وخصوصًا إذا لم تتم معالجة آثارها اللاحقة. وفي المقابل من الممكن أن يذهبوا إلى النقيض تمامًا، كالمبالغة في تدليل أطفالهم وحمايتهم، خوفًا من أن يشعروا بنفس الآلام التي عانوها.

وصحيح أن معظم التصرفات الصادرة من الوالدين يكون لها أسبابًا تفسرها، إلا أن إدراكها لا يجعلها مبررًا للاستمرار في الإيذاء، بل هي دعوة للوعي والتصحيح وحماية الأبناء. ويعد الإدراك الخطوة الأولى للإصلاح، ولكن المسؤولية تبقى في طلب التدخل والسعي للتغيير والعلاج.

وهنا قد نتساءل: هل هذه القيم موجهة إلى الوالدين فقط، أم أن للطفل نصيبًا منها؟

بين بدايات الطفولة والاحتياج:

للتوضيح: الرحمة والمواجدة في العلاج النفسي لا تنحصر على الوالدين فقط، بل تشمل الأطفال أيضًا. وبصراحة في سنواتهم الأولى هم بأمس الحاجة إليها، وذلك لأسباب مختلفة، منها:

– الطفل في السنوات الأولى لا يكون إدراكه مكتملًا، فأنه ينظر إلى نفسه من خلال والديه وردود أفعالهم تجاهه، وكذلك من تعامل المحيطين به.

– لا يمتلك الأدوات الكافية للتعامل مع التجارب التي يتعرض لها، ولذلك هو دائمًا يحتاج إلى من يوجهه ويمد له يد المساعدة.

– ينظر إلى العالم الخارجي ببراءة، فلا يتمكن من فهم الاختلاف في تعامل الآخرين معه، ولا يدرك سبب ما يتعرض له من مواقف.

– قد يكرر سلوكيات غير مرغوبة رغم تنبيه الوالدين له والسبب هنا لا يكون عنادًا دائمًا، لأنه في هذه المرحلة العمرية يحتاج إلى التذكير المستمر حتى تترسخ لديه السلوكيات الصحيحة.

– وأخيرًا، الألم الذي يتعرض له لا يتوقف فقط على حاضره، وإنما يمتد في كثير من الأحيان ليشمل مستقبله فيؤثر على تكوين شخصيته، وطرق تعامله مع نفسه والآخرين. وهذا يكون نتيجة لغياب التدخل الصحيح، ومعالجة الموضوع في الوقت المناسب.

في النهاية، أود أن أوضح أمرًا مهمًا:

الرحمة والمواجدة: لا تعد مجرد مفاهيم نظرية في العمل النفسي ولا تختصر عليه فقط. فهما بمثابة جوهر مهم لنا نحن أولًا كأفراد قبل أن نكون أصحاب مهن معينة. وعندما نطبق هذه القيم على ذواتنا وننجح بها، فإننا بذلك نستطيع أن نعممها على الآخرين في مختلف تفاعلاتنا معهم.

وختامًا، تبقى هذه التساؤلات:

– هل ننظر إلى الإنسان كما هو أمامنا، أم ما زلنا نثقله بأحكامنا وتصوراتنا المسبقة؟

– هل يمكن أن نساعد الآخرين في إصلاح علاقاتهم، قبل أن نصلح علاقتنا مع ذواتنا ونفهمها؟

– وأخيرًا، برأيكم ماهي السلوكيات التي تعزز تطبيق قيم الرحمة والمواجدة في حياتنا؟


أضف تعليق