قبل الحصاد | طفل يكبر قبل أوانه

منذ فترات سابقة، كنت أفكر في معنى “الاحتواء” كأحد المواضيع الجوهرية في تربية الأبناء، ولكن في كثير من الأحيان أجدني أتساءل: هل فعلًا نحن نطبقه بشكل صحيح؟
ومن هنا، تنطلق أسئلتي إليكم:
– هل نقوم باحتواء أطفالنا كما ينبغي؟ وما أثره المنعكس على الطفل؟
– هل يعد الاحتواء مهمًا لسلامة الصحة النفسية للأبناء، أم يمكن الاستغناء عنه؟
– وأخيرًا، هل نمنح أبناءنا حقهم في أن يكونوا كما هم على طبيعتهم؟ أم نحن نراهم كما نريد؟
معنى الاحتواء:
أرغب بتعريف “الاحتواء” إلى عدة أجزاء منها:
– الاستماع للمشاعر:
يتمثل في إدراك الطفل بأن مشاعره مسموعة، وأن نمنحه الحق في التصرف على سجيته الفطرية التي لا تعرف “مفهوم الكمال” بلا أن نثقل كاهله بأحكام ومتطلبات لا تناسبه.
– تلبية الاحتياجات:
ويتجلى في تلبية وفهم احتياجاته النفسية والعاطفية، والمعنوية، قبل أن تُلبى احتياجاته المادية.
– مفهوم خاطئ للاحتواء:
ببساطة: الاحتواء لا يعني أن نقوم بحماية مفرطة للطفل، أو أن نسلب منه الحق في التجربة، أو في الإحساس بمشاعر طبيعية تعد جزءًا من نموه مثل: الشعور بالحزن، الخوف، والألم.
– دورنا الصحيح به:
ويكون دورنا من خلال فهم حزنه وإعطاؤه الحق في التعبير عن مشاعره، بلا تقليل منها أو سخرية. وأن لا نكرر على مسامعه كلمة: لا تبكِ! وكأننا نربط تجاهل الحزن بفكرة النضج المبكر لديه.
– ما بين الاحتواء والخطأ:
عندما يخطئ الطفل لا ينبغي أن نعاقبه فورًا، أو نحاول منعه من الخطأ. بل نحاول أولًا فهم الأسباب والدوافع التي أدت به إلى هذا التصرف، ثم نوجهه نحو سلوكيات أكثر قبولًا. لأن تجربته للخطأ تسهم في نموه على عدة جوانب مثل: النفسية، العقلية، العاطفية، والاجتماعية.
– الرسائل الخفية للسلوك:
بعض السلوكيات تحمل قصصًا واحتياجات غير مصرح بها، ومشاعر متراكمة. فلا نتوقف عند ما يظهر منها فقط، بل نبحث عن الخفايا الكامنة وراءها. فإنها في كثير من الأحيان تصبح تعبيرات غير مباشرة لما يعيشه ويحتاجه، ويعبر عنها بلغة صامتة خفية.
– من الاحتواء إلى الحدود:
البعض يعتقد أن الاحتواء: يتمثل في إتاحة المساحة بشكل كامل للطفل، وعدم وضع أي حدود صحية وآمنة له. ولكن في الحقيقية أن مفهوم الاحتواء لا يتعارض مع الحدود الصحية التي يحتاجها. بل تمنح وفق اشتراطات معينة، تتلاءم مع طبيعة البيئة الأسرية ونمط الوالدين في التعامل، ومن أهمها ملاءمتها لوضع الطفل.
– لغة التعامل:
يحتاج الطفل إلى معرفة أن هناك قواعد تضبط سلوكياته، وتبين له ما هو مقبول وما هو غير مقبول، وتساعده على التمييز بين الصح والخطأ.
ولكن يكون ذلك من خلال لغة آمنة نتخاطب بها مع الطفل وليست قاسية، بلغة يملؤها الحب لا الخوف والعقاب. بلغة نفهم من خلالها: أن الطفل فضولي وقد ينقاد لمخالفة هذه الحدود، بنية الاستكشاف واختبار ردود أفعالنا.
وهنا لا نتوجه فورًا للعقاب، بل إلى التوضيح المتكرر بأنها وضعت لحمايته ودعم نموه، ولا نقصد بها تقييده وحسب.
– دور الوالدين/ البيئة الأولى للاحتواء:
الوالدان، هما البيئة والتربة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، ومن خلال تفاعلهما اليومي معه يتعلم كيف يختلط بالآخرين، كيف يتصرف، كيف تتشكل شخصيته وأنماطه، وكيف يبدأ في الحوار والتواصل، وكيف يفهم مبادئ: الاحتواء، المشاركة، والتقبل.
فكل استجابة من الوالدين تشكل إثرًا، أما بالإيجاب أو بالسلب على نشأة الطفل.
مع التوجيه على أن الاحتواء لا يعد ترفًا، بل حاجة ضرورية يحتاجها الأبناء لسلامة صحتهم النفسية، مثل حاجتهم إلى التعبير عن مشاعرهم.
– مفهوم رحلة التربية البطيئة/ ضد وهم السرعة:
أنا كإنسانة قبل أن أكون مختصة في مرحلة الطفولة، كنت وما زلت أشجع على التربية البطيئة، والتي تتعارض مع وهم السرعة المنتشر في عصرنا الحالي. ومن هنا جاءتني الفكرة في أن أنشئ سلسلة #النضج_قبل_الحصاد
محاولة مني في ترسيخ هذا المفهوم والتشجيع عليه، وتذكير نفسي والآخرين بأن النضج لا يقاس بالسرعة! بل بالوعي والتدرج، التأني والثبات.
– طفل يكبر قبل أوانه:
أشعر بالأسى حينما أشاهد طفلًا يُجبر على أن يكبر قبل أوانه، بسبب الضغوط التي يعانيها أما من والديه أو من البيئات المحيطة به، أو من خلال المفاهيم الخاطئة المنتشرة اليوم عن عصر السرعة في التربية.
– المسؤولية بحدودها الصحية:
للمسؤولية مثل الاحتواء حدودًا صحية، فمثلًا: عندما يُحمل الطفل مسؤوليات كبيرة، فإن ذلك يؤثر في نموه. وصحيح أنني أنوه دائمًا على أهمية تحميل الطفل للمسؤولية ليتعلم الاستقلالية، لكن هذا يجب أن يكون ضمن حدود وشروط معينة، بحيث تتلاءم هذه المسؤوليات مع مرحلته العمرية، قدراته وإمكانياته الشخصية، مع الأخذ بالاعتبار إذا كان الطفل يعاني من اضطرابات سواء كانت: نفسية، نمائية، سلوكية، عقلية، اجتماعية. لأن التعامل هنا يختلف.
– لكل طفل فرديته الخاصة في التعامل:
لا يمكن أن نعامل كل طفل بالطريقة نفسها، أو نحتويه بالأساليب ذاتها. ولن أمل من التكرار في مختلف المجالات: أن لكل طفل حقًا مختلفًا عن الآخر.
فمثلًا:
- قد يعبر بعض الأطفال عن حزنهم بالكلام أو الصراخ، بينما يعبر طفل آخر عنه بالانسحاب.
- قد يفضل طفل التواصل وبناء صداقات اجتماعية، بينما يكتفي آخر بالاستماع واللعب فقط.
– وهم المقارنات/ من النضج إلى الحصاد:
سؤال: هل تكون المقارنات بلا احتواء؟
وهل يعد التعميم فيها أمرًا ضارًا لا ينفع الطفل؟
وبرأيي من أكبر مظاهر الضرر بها:
أن نقارن بين طفلين مختلفين حتى وإن كانا شقيقين، أو أن نطلب منهما النمط نفسه من النضج المبكر، بلا أي مراعاة لكيان وشخصية كل طفل.
– في النهاية، أود أن أوضح فرقًا جوهريًا بين الاحتواء والتوجيه:
كثيرًا ما يحدث خلط بين هذين المفهومين، وتُطرح تساؤلات: متى نستخدم كل مفهوم؟ وهل يتم استخدامهما في وقت واحد، أم بشكل منفصل؟
والإجابة: نعم هناك خلط شائع، لكن توجد فروقات مهمة وأساسية للتمييز بينهما:
– الاحتواء: يكون موجهًا للطفل بأكمله، لمشاعره وأفكاره، ورغباته.
– التوجيه: يقتصر فقط على السلوكيات سواء كانت ظاهرة بوضوح، أو تلك التي يعبر عنها الطفل من خلال لغته الصامتة.
وفي الختام، أجدني أتساءل:
– هل يُعد نضوج الطفل قبل أوانه ميزة؟
– هل قد يترتب على ذلك آثار مستقبلية؟
– هل يمكن أن تتراجع سلوكياته مع مرور الوقت؟
– وأخيرًا، هل سيتمنى لو أنه يعود إلى طفولته الناقصة؟

أضف تعليق