قبل الحصاد | نضج الطفل وهويته

في منشور سابق، تحدثت به عن الثمار وأهمية عامل الوقت لنضجها قبل الحصاد، ومن هنا أكمل هذه السلسلة للحديث عن الطفل.
وكما أن الثمار تحتاج وقتًا لتنضج، فإن الطفل يحتاج كذلك للوقت والمساحة ليبني من خلالهما تقديره لذاته وهويته، قبل أن يصل إلى الهدف النهائي وهو: النضج والوعي، ثم حصاد أثر هذه التربية لكل الأطراف الأساسية: من والدين وطفل وأسرة كاملة.
وللأطراف الأخرى المشاركة مثل: المدرسة كبيئة تعليمية مهمة له، البيئات الاجتماعية، البيئات المتمحورة على الترفيه، الاستكشاف والتجربة، وتنمية المهارات.
وإذا كنا سنتحدث بشكل عام عن تكوين الهوية المستقلة للطفل، أو التقدير الذاتي. فإنهما بمثابة رحلة ممتدة من ولادته، إلى سنواته الأولى، إلى مختلف المراحل العمرية التي يمر بها. أي أنها باختصار “لا تبنى بين يوم وليلة”.
والبيئة الأسرية الداعمة هي التي تسعى إلى أن تكون تربية الطفل كتجربة مميزة، بكل ما يحمله من كيان مستقل، قدرات ومهارات شخصية مختلفة، إلى تفضيل أساليب معينة يستخدمها في التعلم، اللعب، الحوار، بناء الصداقات، ومن أهمها في المقام الأول طريقته في التعبير عن نفسه للأشخاص المحيطين به.
فكل محاولة يقوم بها لبناء ذاته أو التعبير عنها مهما كانت بسيطة، فإنها خطوات جوهرية لا غنى عنها. ومن أكبر الأخطاء التي يقع بها الوالدان، حينما يقومون بالتقليل والسخرية منها، أو منعه من التجربة.
وصحيح أنها قد تكون بالنسبة لنا مجرد خطوات، ويكمن هنا التفسير: لأننا ننظر إليها من إدراكنا الراشد والمتلائم مع مرحلتنا العمرية الحالية، وليس من خلال إدراكنا لمراحل الطفل العمرية بعينها.
ويغيب عن أذهاننا أيضًا، أنها تتمثل في نمط مستمر لرغبة قد تبدو -غير واعية لديه- لاكتشاف نفسه، وأنها بمثابة جزء يساعده على الوصول للغاية المرجوة: (النضج). مع التأكيد على أهمية الوعي بعامل الوقت، وعدم الاستعجال في الحصاد المبكر، أو محاولة قطف ثمرة غير ناضجة.
وفي لقاء سابق ظهرت فيه، ذكرت أنني أشبه تربية الطفل بفكرة شراء نبتة. (بالمناسبة أنا أحب هذا التشبيه كثيرًا، أحبه لبساطته وقدرته العميقة على توصيل الرسالة، وهذا يجعلني أوقن تمامًا أن الرسائل المرجوة قد تصل من خلال تشبيهات بسيطة، وليس بالضرورة أن تكون معقدة).
– النبتة: الطفل في بداياته.
– التربة: البيئة الأسرية التي ينشأ بها.
– احتياجات النبتة كالماء والشمس: تمثل الاحتياجات الأساسية للطفل: كالحب والقبول الكامل غير المشروط، التشجيع، الصبر والمراقبة، والاحتواء.
– الأغصان والأوراق: سلوكيات أو مهارات يكتسبها الطفل من بيئته أو والديه.
– اصفرار النبتة/ذبولها: يمثلان الرغبة في الحصاد المبكر، المقارنات والتقليل، العنف، الحماية المفرطة، فرض الأوامر دون إعطاء مساحة للمحاولة، وأخيرًا عدم مراعاة اختلاف القدرات والمهارات الشخصية.
وأود أن أنوه بالنهاية:
الطفل لا يمكن أن يكون بمعزل أو غنى عن بيئته الأسرية، لأنها أول بيئة يتواجد بها، أول بيئة يتعلم منها، أول بيئة يكتشف من خلالها ذاته، قدراته، أنماطه في التواصل، طريقته في تكوين العلاقات، والتعلم.
مع التأكيد على أهمية الترفيه واللعب في بناء وتنمية شخصيته.
وفي الختام أذكركم، وأذكر نفسي كذلك:
دعوا الأبناء يعيشون كامل مراحلهم، مثلما عشناها نحن سابقًا.
وأمنحوهم مساحة آمنة مع تقديم القبول والدعم المستمر لهم، حتى مع وجود الأخطاء التي يمكن أن يقعوا بها. فإنها بالنسبة لهم قد تعد مجرد أخطاء، ولكن بالنسبة لنا هي محاولات يتعلم من خلالها الأبناء.
فالنضج الحقيقي الذي نسعى له كمربين، كمختصين، كمتعاملين بشكل مباشر مع الطفل، لا يأتي بالعجلة! بل يأتي من خلال الصبر والذي يصلنا بالنهاية إلى #النضج_قبل_الحصاد.

أضف تعليق